ابن أبي أصيبعة
69
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
. . ومم خالف فيه بقراط قوله : « جملة ، البول في الشتاء زيادة كثيرة ، والرسوب فيه يكون أكثر ، لأن النضج فيه أكثر وأجود . . . أما الرازي فيقول في ذلك « أما كثرة كميته عندي فلقلة العرق ، وأما الرسوب فكما ذكر » « 1 » . . . ولقد رفع أبو بكر الرازي من شأن العقل واعتبره من أعظم نعم اللّه تعالى على الإنسان فقال في كتابه الطب الروحاني « 2 » « إن البارئ عزّ وجل إنما أعطانا العقل وحياتنا به لننال ، ونبلغ به المنافع العاجلة والآجلة غاية ما في جوهر مثلنا ، أن يناله ويبلغه . . . وإنه أعظم نعم اللّه عندنا وأنفع الأشياء لنا وأجداها علينا نفعا . فبالعقل فضلنا على الحيوان غير الناطق حتى سسناها وذللناها وملكناها وصرفناها في الوجوه العائدة منافعها علينا وعليها . . . وبالعقل أدركنا ما يرفعنا ويحسن ويطيب به عيشنا ونصل إلى بغيتنا ومرادنا وإنا بالعقل أدركنا صناعة السفن واستعملناها متى وصلنا بها إلى ما قطع وحال البحر ودوننا ودونها . « وبه نلنا الطب الذي فيه الكثير من المصالح لأجسادنا وسائر الصناعات العائدة علينا النافعة لنا . وبه أدركنا الأمور الغامضة البعيدة منا الخفية المستورة عنا وبه عرفنا شكل الأرض والفلك وعظمة الشمس والقمر وسائر الكواكب وأبعادها وحركاتها . وبه وصلنا إلى معرفة البارئ جل وعز الذي هو أعظم ما استدركنا وأنفع ما أحببنا » . وفي الجملة فإنه الشئ الذي لولاه كانت حالنا حال البهائم والأطفال والمجانين وبه نتصور أفعالنا العقلية قبل ظهورها للحس فنراها كأن قد أحسسنا ما ثم نتمثل بأفعالنا الحسية صورتها فتظهر مطابقة لما تمثلناه . فإذا كان هذا مقداره وخطره وجلالته فحقيق علينا ألا نحطه عن مرتبته ولا ننزله عن درجته ولا نجعله وهو الحاكم محكوما عليه ولا وهو الزمام مزموما ولا وهو المتبوع تابعا . بل نرجع في الأمور إليه ونعتمد فيها عليه فنمضيها على إمضائه ونوقفها على إيقافه ولا نسلط الهوى الذي هو آفته ومكدره والحائد به عن سنته ومحجته وقصده واستقامته والمانع من أن يصيب به العاقل رشده وما فيه صلاح عواقبه في أموره بل نروضه ونذلله
--> ( 1 ) مجلة المشرق عدد 56 ص 230 . ( 2 ) الرازي ، أبو بكر ، الطب الروحاني لأبى بكر الرازي تحقيق د . عبد اللطيف العبد ص 35 .